ميرزا حسنعلي مرواريد
39
تنبيهات حول المبدأ والمعاد
معرفة النفس ، ومعرفة اللّه تبارك وتعالى إذا عرفت ما بيّنّاه لك من أوّل الرسالة إلى هنا فإنّك تصير في الجملة عارفا بنفسك ، وبأنّها كسائر الحقائق المبدعة المحسوسة بالحواسّ الظاهرة والباطنة ، حقيقة ميّتة لا شعور لها بنفسها لنفسها فضلا عن غيرها ، يفاض عليها نور العلم والفهم والقدرة وغيرها من الكمالات لا بنحو فيضان شيء من شيء ، كنور الشمس من الشمس ، والحرارة من النار ، ولا بنحو تطوّر الماء بالزبد والبخار ، والأمواج والسواقي والأنهار ، بل بإيجاد صفة يعبّر عنها بالوجدان ، في القابل لتلك الصفة الذي عبّر عنه في الروايات بالحامل ، بلا تغيّر في ذات المفيض القدّوس الذي ليس كمثله شيء . فسبحان اللّه ربّ العرش عمّا يصفون . وستعرف إن شاء اللّه - إذا عرفت ربّك بحقيقة المعرفة - أنّك كسائر الأشياء شيء بالغير الذي هو منشئ الشيء لا من شيء ، وقيّوم ذاته لا كقيّوميّة العلّة لمعلولها المتولّد منها ، بل قيّوميّة المبدع لما أبدعه لا من شيء ، قيّوميّة لا غنى عنها أقلّ من آن . فما يكون عنوان ذاته شيئا بالغير قائما به - أي لا قوام له إلّا به - مباين ذاتا لخالقه الذي هو شيء بحقيقة الشيئيّة قائم بذاته . إذا عرفت نفسك بذلك استعددت لأن تعرف ربّك بعض المعرفة ، فقد روي : من عرف نفسه فقد عرف ربّه « 1 » . أعرفكم بنفسه أعرفكم بربّه « 2 » . وروي في معرفة النفس أنّ فيها معرفة الربّ « 3 » . وبه استعددت أيضا لفهم ما ورد عنهم صلوات اللّه عليهم في هذا الباب إن شاء اللّه تعالى . تنبيه في أنّ : أشرف المعارف معرفته تعالى ، وفي لزوم التمسّك بالقرآن وحملة علومه : بعد ما عرفت أنّ الكاشف والحجّة الذاتيّة هو العلم والعقل نقول :
--> ( 1 ) - غرر الحكم ، البحار 2 : 32 ، مصابيح الأنوار 1 : 204 . ( 2 ) - روضة الواعظين 20 . ( 3 ) - مصباح الشريعة ، الباب 5 .